لا يدري كيف انتقلت حياته فجأة إلى هذا الفصل القاسي، بلا مقدمات تساقطت أوراق نفوذه ،كم كانت النظرة منه تخيف الآلاف ،بل مجرد ذكر الاسم يجمد الدماء في عروق المستضعفين، كانت الألقاب تنهال عليه من المعظمين رهبا والراجين رغبا، كان يعود لامرأته وأولاده محملاً بما لذ وطاب، ينظر الكل إليه نظرات مزجت بالعجب والإعجاب ، أنى لك هذا يا ذا المرتب المهيض ؟!
كان يغض طرفه عن هذه النظرات ما لم يتفوه أحدهم بكلمة، الآن سقطت الأصنام التي كان يعذب الآلاف من أجلها، ينسحب إلى أقصى زوايا الحياة، يتربص ،يترقب ،ماذا عسى الناس أن يفعلوا، هل ينتهي الأمر بانهيار جبهته الداخلية بعد تمرد الزوجة والأولاد ، ألا يكفي هجرهم له ،ألا يكفي تفضيلهم العيش عند أخوالهم في أقاصي البلاد على العيش معه في حي أطلق عليهم لقب أبناء الجلاد،لقد مجّوه بل تفلوه ،ألا يكفي هذه الثلوج من الوحدة ليلة العيد،كم يحن أن يفارق هذا الهاتف خرسه،كم كان يمل من كثرة الرجاء الذي ينهال عليه من أسر ضحاياه .
والآن يتمنى سماع أي صوت ، أي صوت ولو مكالمة بطريق الخطأ،يريد من يطمئنه ، فجأة يسمع رنين الهاتف،يسمعه القلب قبل الأذن،يجري يرفع السماعة،سرعان ما يعود إليه الحذر،إنه محمد البقال ،ماذا يريد ؟!!!،بالتأكيد حساب عشرين سنة ماضية من سحب البضاعة بالإكراه،يغير نبرات صوته (أبي غير موجود) ، ما إن تصل السماعة إلى الهاتف حتى يرتفع الرنين، يمتقع لونه ، وماذا يريد الدكتور أحمد أيضاً،ألم يحصل على تعويض مالي ضخم مقابل هتك عرضه ، لا شك أن الفرصة الآن سانحة للقصاص ، يهم بتغيير نبرة صوته لينكر وجوده ولكن سرعان ما يبادره المتحدث :
( عمي شديد : لا تحاول إنكار نفسك نحن نعرف صوتك جيداً ونحدثك من الدور الأرضي وسنكون عندك بعد دقائق أنا ومحمد البقال والأستاذ سامي المدرس )، ينهي المتحدث المكالمة بالضربة القاضية ، لم تعد المباراة تحتاج إلى نقاط بعد انضمام سامي الذي كسر شديد جمجمته في إحدى المظاهرات،يشعر بتنفيذ خطوات الانتقام قبل أن يصل ضحاياه إليه ، كم هو عذاب شديد أن تنتظر العذاب ، لم يشعر بهذا الشعور من قبل،لكنه أذاقه للآلاف، كيف سيتحمل نفقات السنوات الماضية ولو باع كل ما لديه ، و الأ دهى كيف يتحمل تكسير سامي لجمجمته،والأمَر كيف يتحمل انتقام الطبيب ، مستحيل ،مستحيل ولو كان البديل الموت،إلا الشرف ،لابد من الدفاع حتى الموت، يسمع جرس الباب ، يتوجه لفتحه مرتعشاً رغم العصا الغليظة في يده والسكين في جيبه،يفتح الباب بحذر،يرى وجوهاً لا تحمل أي رغبة في الانتقام،وجوهاً يكاد يشع منها النور ،يواري عصاه خجلاً وراء الباب ،وقبل أن يتفوه بكلمة يعاجله الطبيب قائلاً ( مبارك العفو العام يا عمي شديد ، لقد أصررنا أن نكون أول المهنئين بالعفو و عيد الأضحى وليس هذا فحسب لقد رجونا زوجتك والأولاد للعودة واستجابوا لرجائنا و...و...و...)
يستطرد الطبيب والمدرس والبقال في الكلام عن العفو والتنازل عن كل حقوقهم لوجه الله بينما الدنيا تضيق على شديد ويمتنع عنه الهواء ويتوقف قلبه عن النبض ويخر ميتاً...
لقد ذبحته سكين العفو